info@assayad.com     +971 2 443 7475     +971 777 55 33
العدد 3907
 - 
الثلاثاء ١٦ - أبريل - ٢٠٢٤ 
ABU DHABI
ABU DHABI
الثلاثاء ١٦ - أبريل - ٢٠٢٤  /  العدد 3907
الأرشيف
تابعونا على فيس بوك
تابعونا على تويتر
أخبار عربيّة
"الفرنسية" في "سويسرا الشرق" أكثر من مجرد لغة
الإغلاق يهدد المدارس "الفرنكوفونية" في لبنان
بسبب الأزمة الاقتصادية
* برونو فوشيه : انهيار التعليم الفرنكوفوني يفقدنا نقطة ارتكاز أساسية لن نتمكن من استعادتها

بدأت الأزمة الاقتصادية في لبنان تلقي بظلالها على المدارس الفرنكفونية إذ باتت المؤسسات التعليمية التي تدرس 80% منها باللغة الفرنسية مهددة بالإغلاق.. ويبلغ عدد المدارس الفرانكوفونية في البلاد نحو 331 مدرسة كاثوليكية باتت اليوم عاجزة أمام الأزمة الاقتصادية الأسوأ في تاريخ لبنان، ومن المتوقع أن ستتأثر الفرنكوفونية بشكل عام، في بلد تتراجع فيه اللغة الفرنسية أساساً أمام الإنجليزية.

تواجه الفرنكفوفونية في لبنان خطر التراجع بسبب الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، حيث من المتوقع أن تغلق العديد من هذه المؤسسات أبوابها.. وفي مدرسة "سيدة لورد" الكاثوليكية في مدينة زحلة في شرق لبنان، يدخل الأهالي تباعاً إلى مكتب الراهبة كوليت مغبغب للاستفسار عن نبأ إقفال المؤسسة لأبوابها، على وقع انهيار اقتصادي يهدّد مصير مئات المدارس الخاصة في البلاد.. وتقول مغبغب، رئيسة المدرسة، خلال استراحة بين الزيارات المتتالية: "فعلت المستحيل للحصول على مساعدات (...) من دون نتيجة".
331 مدرسة كاثوليكية في البلاد
وتُعدّ المدرسة التي تأسّست عام 1885، واحدة من 331 مدرسة كاثوليكية في البلاد، تُدرّس ثمانون في المئة منها اللغة الفرنسية.. ومن شأن إغلاق عدد من تلك المدارس أن ينعكس سلباً على المستوى التعليمي وقطاع التعليم في لبنان.. كما ستتأثر الفرنكوفونية بشكل عام، في بلد تتراجع فيه اللغة الفرنسية أساسا أمام الإنجليزية.. وتجاوزت تلك المدارس، التي أنشأت إرساليات فرنسية في القرن التاسع عشر العدد الأكبر منها، أزمات متلاحقة مرّت على لبنان، لا سيّما الحرب الأهلية (1975-1990).. إلا أنها اليوم تجد نفسها عاجزة بمواجهة أسوأ أزمة اقتصادية تشهدها البلاد في تاريخها الحديث.. ودفعت الأزمة باريس إلى التدخل عبر تقديم تمويل عاجل بقيمة 12 مليون يورو خلال الأشهر المقبلة.. وتحدث وزير الخارجية الفرنسي جان- إيف لودريان مؤخراً عن "التزام هام" بدعم المدارس في لبنان.
50 - 75 مدرسة مهددة بالإغلاق
يقول الأمين العام لاتحاد المدارس الكاثوليكية في لبنان الأب بطرس عازار "بين 50 و75 مدرسة مهددة اليوم بالإقفال"، مشدداً على أنه "من دون المدارس الكاثوليكية، ليس هناك من تعليم فرنكوفوني في لبنان".. ويوضح السفير الفرنسي في بيروت برونو فوشيه لوكالة الأنباء الفرنسية أن لبنان هو "البلد الأول في العالم في ما يتعلق بعدد الطلاب الذين يتعلمون وفقاً للمنهاج الفرنسي بفارق كبير عن المغرب الذي يحلّ في المرتبة الثانية".. وتضم المدارس الفرنسية وتلك المعتمدة من وزارة التربية الفرنسية 120 ألف طالب من أصل نصف مليون في كافة المدارس الفرنكوفونية في لبنان، وفق السفارة الفرنسية، أي نحو خمسين في المئة من إجمالي طلاب البلاد.
1500 تلميذ عائلاتهم غير قادرة على مصاريفهم
لا تطال تداعيات الانهيار المدارس الكاثوليكية فحسب، بل أيضاً مؤسسات تعليمية أخرى.. وتواجه البعثة العلمانية الفرنسية، التي تدير خمس مدارس في كافة أنحاء البلاد، أسوأ أزماتها منذ دخولها إلى لبنان قبل أكثر من قرن من الزمن.. وغادرها أكثر من 1500 تلميذ، لم تعد عائلاتهم قادرة على تحمل أعباء الأقساط .. كما جرى فصل 180 فرداً من طاقمها التعليمي، بحسب مصدر مواكب للأزمة.. وجراء الأزمة التي تترافق مع شح في الدولار وانهيار في قيمة الليرة، خسر عشرات الآلاف وظائفهم أو جزءاً من رواتبهم.. وبات نصف اللبنانيين يعيشون تقريباً تحت خط الفقر بينما يعاني 35 في المئة من القوى العاملة من البطالة.
وكانت مدرسة "سيدة لورد" التابعة لراهبات القلبين الأقدسين تضم 250 تلميذاً من أبناء الطبقة الفقيرة أو الوسطى المتدنية، قررت الراهبات نقلهم إلى مدرستين أخريين تابعتين لهن في المنطقة.. وتقول مغبغب "وافقت على مضض على قرار الإغلاق، لكن كيف لنا أن نكمل؟"، بعدما باتت ورهبنتها عاجزات عن تأمين المنح الدراسية اللازمة في خضم الأزمة الراهنة.. واعتاد أولياء الأمور في هذه المدرسة الخاصة وشبه المجانية أن يدفعوا جزءاً بسيطاً من القسط، بينما تؤمن الراهبات الجزء الآخر عبر منح دراسية.. ومع انهيار الليرة، بات مدخول سامر الذي كان يعادل 800 دولار قبل أشهر عدة يساوي 150 دولار تقريباً وفق سعر الصرف المتغير بين يوم وآخر في السوق السوداء.
أعمدة القطاع التعليمي
ولطالما اعتُبرت المدارس الكاثوليكية، التي تستقطب طلاباً من الطوائف كافة، أحد أعمدة القطاع التعليمي في لبنان نظراً لجودة تعليمها وكفاءة كوادرها.. وفي مناطق عدّة، تفضّل عائلات كثيرة إنفاق الجزء الأكبر من مدخولها على تعليم أولادها في هذه المدارس عوضاً عن المدارس الرسمية، التي يشكو كثيرون من تدني مستوى تعليمها وافتقادها للتجهيزات.
ويُتوقّع أن تستقبل المدارس الرسمية في السنة الدراسية المقبلة 120 ألف طالب تركوا المدارس الخاصة جراء الأزمة الاقتصادية عدا عن اللاجئين السوريين، وفق ما يقول مصدر في وزارة التربية والتعليم العالي.. ولمساعدتهم على تخطي الصعوبات الراهنة ولتفادي الأسوأ، أعلن الفاتيكان في مايو/أيار الماضي أن البابا فرنسيس سيقدم 200 ألف دولار لدعم 400 منحة دراسية تعود لطلاب لبنانيين.. أما الدعم الفرنسي المرتقب، فيأتي في إطار خطة طوارئ تتضمن تخصيص "ملايين عدة" لخمسين مدرسة معتمدة من فرنسا، فضلاً عن صندوق خاص للمدارس المسيحية وخطة شاملة لكافة المدارس الفرنكوفونية.. ويؤكد السفير الفرنسي "إذا انهار التعليم، خصوصاً الفرنكوفوني، سنفقد نقطة ارتكاز أساسية لن نتمكن من استعادتها".
أكثر من مجرد لغة
تاريخ اللغة الفرنسية عريق في لبنان أو "سويسرا الشرق" كما تسمى.. حيث يعود إلى القرن السابع عشر عندما أسّس الآباء اليسوعيون أولى المدارس الفرنسية.. ولا تزال اللغة الفرنسية تشكّل اليوم عنصراً مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالهوية اللبنانية، وليست بحدّ ذاتها لغة وطنية أو لغة أجنبية، إلاّ أنها لغة يستعملها اللبنانيون بشكل يومي، وبفضلها إستطاعوا نسج روابط متينة قائمة على تاريخ مشترك وقيم مشتركة.. وتلتزم الدولة اللبنانية بضمان ديمومة إحدى أوسع الشبكات التعليمية الناطقة باللغة الفرنسية في العالم من خلال المدارس والجامعات ذات الجودة العالية والمنضوية جميعها تحت مظلة الوكالة الجامعية الفرنكوفونية (AUF).. وبحسب الإحصاءات الصادرة عن وزارة التعليم العالي للعامَين 2017 – 2018، بلغت نسبة المؤسسات الناطقة باللغة الفرنسية في القطاع العام حوالى 57.3٪، فيما وصل عدد الطلاب الذين يملكون اللغة الفرنسية كلغة ثانية في القطاع عينه إلى نسبة 57.4%.
ومنذ القدم، اغتنى الأدب الفرنسي بإسهامات كوكبة من المؤلفين اللبنانيين من خلال كتاباتهم بلغة موليير وهم جورج شحادة، فرج الله حايك، أمين معلوف، أندريه شديد، ناديا تويني، صلاح ستيتية، وغيرهم مجموعة من الأدباء.. ومن جهة أخرى، كان لبنان في عداد أولى الدول التي ساهمت في إعلاء صرح الفرنكوفونية وأكثرها حماسة، كما اضطلع بدور رئيسي في إنشاء المنظمة الحكومية الدولية الأولى للفرنكوفونية.. وقد أعرب شارل حلو، رئيس الجمهورية اللبناني آنذاك، عن رغبته في إنشاء هيئة دولية تجمع بين الدول التي تتشارك اللغة الفرنسية.. ويتجلى هذا "الامتياز الفرنكوفوني" بأبهى حلله في النظام القانوني اللبناني المستوحى إلى حد كبير من القوانين الفرنسية.
"عشق اللغة الفرنسية" يعتبر جزءاً من الحياة اليومية في لبنان.. فمهما تجولت في العاصمة، أو جلست في مقهى، فسترى الجالس إلى الطاولة بجوارك وهو يتصفّح صحيفة "لوريون لوجور" أو مجلة محلية أخرى باللغة الفرنسية؛ وتسمع دندنة خلفية صادرة عن إذاعة لبنانية تبث على أثيرها أحدث أغنية لذاك المطرب الفرنسي الذي نسَيت اسمه، كما يدور نقاش فرح على الطاولة في آخر المقهى باللغة الفرنسية أيضاً.



اخترنا لكم